فخر الدين الرازي

123

تفسير الرازي

من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) وذلك لان من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة ، كما يتضمن الترغيب في الموافقة ، فكانت الآية تهديدا من هذا الوجه ، وفى الآية سؤالان : ( السؤال الأول ) لم وحد الكاف في قوله تعالى ذلك مع أنه يخاطب جماعة ؟ والجواب : هذا جائز في اللغة ، والتثنية أيضا جائزة ، والقرآن نزل باللغتين جميعا ، قال تعالى ( ذلكما مما علمني ربى ) وقال ( فذلكن الذي لمتنني فيه ) وقال ( يوعظ به ) وقال ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) ( السؤال الثاني ) لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم ؟ الجواب : لوجوه : أحدها : لما كان المؤمن هو المنتفع به حبسن تخصيصه به ، كقوله ( هدى للمتقين ) وهو هدى للكل ، كما قال ( هدى للناس ) وقال ( انما أنت منذر من يخشاها ، انما تنذر من اتبع الذكر ) مع أنه كان منذر للكل ، كما قال ( ليكون للعالمين نذيرا ) . وثانيها : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الدين ، قالوا : والدليل عليه أن قوله ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من بيان الاحكام ، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف ، لأنه ثبت أن ذلك التكليف عام ، قال تعالى ( ولله على الناس حج البيت ) . وثالثها : أن أن بيان الاحكام وإن كان عاما في حق المكلفين ، الا أن كون ذلك البيان وعظا مختص بالمؤمنين ، لأن هذه التكاليف انما توجب على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز ، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها ، فإنها إنها تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير ، ثم قال ( ذلكم أزكى لكم وأطهر ) يقال : زكا الزرع إذا نما ، فقوله ( أزكى لكم ) إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم ، وقوله ( وأطهر ) إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي التي يكون حصولها سببا لحصول العقاب ، ثم قال ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) والمعنى أن الكلف وأن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة ، الا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير ، لأنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات ، فلما كان كذلك صح أن يقول ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ويجوز أن يراد به ، والله يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ، ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير طريقة الوعد والوعيد .